الخلف     

 

الصابون والمنظفات

         يرتبط استخدام الصابون والمنظفات بمفهوم النظافة وإزالة التلوث، وبالتالي بالابتعاد عن الأمراض ومسبباتها. حيث تُستخدم هذه المواد في المنازل لعديد من الأغراض الصحيّة كما تُستخدم  وبكثرة داخل المستشفيات للمحافظة على مستوى النظافة والتعقيم المطلوبة في مثل هذه الأماكن.

خلال السنوات الماضية وبازدياد الوعي العالمي لأهمية هذه المواد  ازدادت الكميات المنتجة على مستوى العالم من مواد التنظيف وتنوعت طرق تصنيعها مما سبب في وجود الكثير من المواد الأساسية الداخلة في تصنيع المنظفات لها أضرار كبيرة بالنظم البيئية المحيطة والإنسان، فظهرت عدة دراسات نوّهت بخطورة هذه المواد على البيئة ومدى إمكانية استعمالها والكميات المسموح بها والتي لا تسبب أي أضرار للأفراد والمحيط.
 

تلوث المياه بالرغوة

يؤدي تزايد تركيز المواد النشطة سطحياً في مياه المجاري المنزلية، والمياه الصادرة عن النشاط الصناعي، إلى صعوبات جمة في محطات تكرير مياه المجاري، وخاصة في أقسام الفصل وأحواض الترسيب، بحيث تغطي الرّغوة، في كثير من الحالات، 100% من سطوح الأحواض والأقسام المختلفة الأخرى، لدرجة تتعذر فيها متابعة العمل قبل التخلص منها.

وتعالج هذه الصعوبة إما بالرش بالماء، أو بمحاليل مانعة لتشكل الرغوة. ولم تكن هذه المصاعب قائمة عندما كان الصابون العادي هو المنظف الأساسي السائد، لأن العسر العادي للمياه المرتبط بوجود أملاح الكالسيوم والماغنسيوم كان كافياً لترسيب جميع كميات الصابون الداخلة إلى مياه المجاري.

قبل سنة 1965، كانت المنظفات في مياه المجاري تسبب أحياناً الرغوة على سطح الأنهار أو أي مجرى مائي. معظم هذه المنظفات تحتوي على مادة نشطة سطحياً تعرف بـ Alkyl Benzene Sulphonate (ABS)، والتي لا تنحل تماماً في محطات معالجة مياه المجاري. أما في سنة 1965، أي بعد أكثر من 10 سنوات من البحث، طوّرت صناعة المنظفات مادة نشطة سطحياً عُرفت بـ Linear Alkyl Benzene Sulphonate (LAS) التي تتحلل بسرعة بفعل البكتيريا، وبذلك فإن المنظفات التي تحتوي على الـ LAS لا تسبب رغوة.

لكن الدول المنتجة للمنظفات لا تزال تنتج المنظفات التي لا تتفكك، وتصدرها إلى الدول النامية، وتروج لها الدعايات المختلفة رغم منع استعمالها في بلد المنشأ.

تساعد الرغوة على تشكيل المحاليل المستحلبة الثابتة وغير الثابتة، فإذا كان المستحلب غير ثابت، ترسّب وزالت المشكلة في محطات المعالجة. ولكن المشكلة تبقى في حالة المستحلبات الثابتة المحتوية على الزيوت معلقة في مياه المجاري. وقد بينت الدراسات أن وجود ما قيمته 200 جزءاً من المليون من المنظفات قد منع تماماً فصل المواد الصلبة من المستحلبات في كامل مجال الوسطين الحامضي والقلوي، وكذلك لم يكن ممكناً فصل الزيوت في أحواض الترسيب، الأمر الذي أدى إلى صعوبات كبيرة في قسم التحلل الحيوي، وبقيت المواد مبعثرة في الطور المائي. وبذلك، كانت الصعوبات مضاعفة، وخاصة عندما كانت المياه المعالجة تستخدم كمصدر للشرب أو الري في أماكن تلي نقاط التصريف على نهر أو أي مجرى مائي. وبالإضافة إلى ذلك، فإن للعديد من المنظفات مبيداً للميكروبات والبكتيريا النافعة اللازمة لعمليات التنقية والتحلل الحيوي في محطات المعالجة، لذلك، كان لابد من التخلص من الرغوة التي أضرت كثيراً بالتوازن الحيوي للعديد من الأوساط البيئية الطبيعية، وما يلحق بذلك من أضرار.

Sodium Lauryl Sulphate (SLS)

Sodium Lauryl Sulphate (SLS) مركب كيميائي يعرف بأسماء أخرى تزيد عن 90 أسماً، ويعتبر من المكونات الرئيسية في معظم الشامبوهات ومعاجين الأسنان وكريمات الحلاقة وقوالب الصابون وسوائل ومساحيق التنظيف، لأنه يساعد على تكوين رغوة جيدة ولرخص ثمنه.

   SLS يستخدم كمادة مثبتة ومكثفة في بعض المنتجات مثل الشامبوهات وبعض الأغذية، وهو أيضاً يستخدم كمنظف قوي لإزالة الزيوت من ورش السيارات والمحركات.

 لكن في الفترة الأخيرة ظهرت عدة أصوات تنادي بتفادي المنتجات التي تحتوي على SLS لتأثيراته الجانبية العديدة والخطيرة، والتي من أهمها:

يسبب خللاً في نمو العين عند الأطفال عند تعرض العين لمنتج يحتوي على SLS مباشرة.

يسبب إعتام عدسة العين عند البالغين.

مهيج للجلد.

يخترق الجلد إلى أعضاء الجسم.

يتفاعل مع النترات مكوناً مواد مسرطنة.

 وبالرغم من أن هذه التأثيرات معروفة لدى الجميع، إلا أن SLS مازال يستخدم حتى في أشهر الماركات، لأن البدائل المناسبة مازالت باهظة الثمن ومازالت تحت البحث والدراسة.

الفرق بين الصابون والمنظفات

 يرتبط استخدام الصابون والمنظفات بمفهوم النظافة وإزالة التلوث، وبالتالي بالابتعاد عن الأمراض ومسبباتها.

من عيوب الصابون العادي، أنه لا يملك قوة منظفة في المياه العسرة المحتوية على كميات كبيرة من أملاح الكالسيوم والماغنسيوم، ولا يقوم بالفعل التنظيفي في المحاليل الحمضية الخفيفة بسبب تفككه. كما أن قوته التنظيفية محدودة بالمقارنة بالمنظفات التي شكلت في الوقت الحاضر طوفاناً هائلاً أدى إلى التلوث البيئي بها.

المنظفات هي تلك المواد المركبة التي تنحل جيداً في الماء حتى لو كان عسراً، وتملك نشاطاً سطحياً عالياً يزيد من القوة التنظيفيّة للوسط الذي تنحل فيه والذي يكون الماء عادةً.

تتألف المنظفات من مواد نشطة سطحياً تخفض التوتر السطحي للماء، وذلك بالتجمع على السطح والسطوح الفاصلة بين الماء والمواد الذهنية والأوساخ، لأنها تمتزج جيداً على هذه السطوح، وبذلك تساعد الأوساخ على الابتعاد عن هذه السطوح وتتحول إلى معلق مستحلب بشكل غروي مشتت يمكن جرفه بسهولة بتيار الماء. ولا تستخدم المواد النشطة سطحياً منفردة في المنظفات، بل تستخدم مع عدد من المواد الأخرى تدعى المضافات أو المواد البنائية.

كيف يمكن للمنظفات أن تلوث البيئة؟!

لم تبرز مشكلة التلوث البيئي إلا بعد استخدام المنظفات المصنعة (أو المنظفات اختصاراً) بشكل واسع، والتراجع في استخدام الصابون التقليدي العادي بسبب العامل الاقتصادي، والقدرة التنظيفية، وكذلك بسبب احتواء هذه المنظفات على المواد المضافة بنسب عالية، وبنوعيات متعددة.

وأهم الآثار البيئية التي يرجع سببها إلى المنظفات هما:

1- تلوث المياه بالرغوة
       2-
ظاهرة الإخصاب العضوي الزائد.
 

ظاهرة الإخصاب العضوي الزائد

تحتوي التجمعات المائية، وخاصة السطحية، المتحركة والرّاكدة، على دورة حيوية وسلسلة غذائية معقدة، وبشكل منظّم ومتوازن بيئياً. يتأثر هذا التوازن بشدة نتيجة النشاط البشري المتنوّع. وكذلك تكون المياه القادمة من مناطق النشاط البشري غنيّة بالمواد العضويّة، وهذا يعتبر جانباً إيجابياً، حيث تتزوّد الكائنات الحيّة بالطاقة اللازمة لنشاطها الحيوي من هذه المواد العضويّة، على شرط أن تكون بكميات معقولة.

في البحيرات الملوثة بالفضلات المنزلية والمنظفات الغنية بالفوسفات بأنواعها، يحدث نمو شديد للعديد من النباتات، يترافق بنقص شديد في الأكسجين المنحل في الماء، الأمر الذي تعاني منه المكونات الحيوية الحيوانية في هذه الأوساط البيئية المائية، ويؤدي ذلك إلى موت آلاف الأسماك، وتزايد العمليات اللاهوائية في هذه المياه، فتنشر الروائح الكريهة منها، ومن الخزانات التي تُعبأ منها، وتعرف هذه العملية بظاهرة الإخصاب العضوي الزائد (Eutrophication)، التي تؤدي إلى إنسدادات خطرة في المصافي، وعدم صلاحية شرب هذه المياه لاحقاً.

فظاهرة الإخصاب العضوي الزائد تؤثر سلباً في العمليات الطبيعية الكيماوية والحيوية التي تحتاج إلى عناصر الكربون والهيدروجين والكبريت والنيتروجين وأشعة الشمس، وكذلك إلى كميات محدودة من الفوسفور والبوتاسيوم والماغنسيوم، وإلى درجة حرارة محددة.

يكون المصدر الأساسي للفوسفور هو الفضلات الإنسانية والمنظفات. فإذا كان إنتاج الفرد الواحد من الفوسفور يقارب 0.5 كجم في العام الواحد، فإن المنظفات تضيف إلى هذا الرقم 1.5 كجم في العام. وهذا يدل على مدى صعوبة السيطرة على كميات الفوسفور التي تصل إلى مياه المجاري وإلى الأوساط البيئية المحيطة. ويلاحظ التأثير السلبي الكبير للفوسفات على النشاط الحيوي لمياه المجاري، وتبين الإحصائيات أن حوالي 40% من الفوسفور الذي يدخل المياه، هو من مصادر المنظفات لوحدها. وقد حدا ذلك العلماء بأن ركزوا على ضرورة وضع ضوابط للمياه المصروفة إلى المجاري العامة، بحيث لا يزيد المحتوى عن 30 ملجم/لتراً من المواد الصلبة المعلقة، و20 ملجم/لتراً من الأكسجين الحيوي المطلوب، وذلك في نهاية مصارف المياه. وكذلك الحفاظ على نسبة تخفيف مياه الصرف المنزلي، بحيث لا تقل عن ثماني مرات من المياه الطبيعية الجارية لكل وحدة من مياه الصرف الملوثة.

تؤدي المعالجة الأولية والثانوية إلى مياه تحتوي على حوالي 2-4 جزءاً من المليون من الفوسفات. ويزيد هذا المقدار عن 50 ضعفاً القدر اللازم للنمو الأقصى للطحالب، الأمر الذي يستوجب إخضاع هذه المياه للمرحلة المتقدمة من المعالجة. غير أن الحل ليس سهل المنال، فتحديد صرف الفوسفات يعني التحكم وخفض استخدام المنظفات، وهو أمر غير سهل ويجابه بمعارضة من الرأي العام. لذلك توجب البحث عن حل بديل.

وينصح الآن باستخدام منظفات تحتوي على الزيوليتات (Zeolite) بدلاً من المنظفات المحتوية على الفوسفور للتقليل من تلوث المياه بالفوسفات.
     
وتجدر الإشارة إلى أن تركيز الفوسفات في البيئات مازال قليلاً نسبياً، ولكن الوعي بالأخطار التي تهدد الأوساط البيئية، ألزم المجتمعات المتحضرة البحث عن المشكلة، وتشخيصها جيداً، وذلك لوضع الحلول الناجعة قبل الوصول إلى وضع بيئي خطر، قد يتعذر علاجه، أو يكون هذا العلاج باهظ الثمن.

المقال السابق المقال التالي