الخلف     

تأثير السكر

    ارتفعت كمية استهلاك السكر منذ القرنين الماضيين بسرعة فائقة. وتؤكل نصف كمية السكر بطريقة مباشرة بينما يؤكل النصف الآخر عبر البوظة والمرطبات والحلويات والطعام المعلّب. كما تُصرف كميات هائلة من المال للإعلانات التي تؤكد أن السكر هو غذاء مقوي ومهم في طعامنا. بالنسبة إلى الأبحاث والدراسات الطبيعة التي أصبحت تتزايد سنة بعد سنة، فإن هذه الإعلانات غير صحيحة وغير مسؤولة. في الواقع إن الجسم ليس بحاجة إلى السكر حتى ولو لملعقة واحدة لا في الطعام ولا في المشروبات. وتفيد الدراسات الطبية أن السكر هو المسبب لأمراض عديدة مثل السكري، نقص السكر، داء المفاصل، بعض أنواع السرطان، الحمى الصفراء، النشاط المفرط والمرضي، الحساسية، السل، الفصام، الجلطات، السمنة، القرحة، سوء الهضم وأمراض الأسنان.

    السبب الوحيد الذي يجعل الإعلانات مضللة هو أن لكلمة السكر معنيين مختلفين. المعنى الأول هو أن السكر مادة بيضاء تصنع من قصب السكر أو الشمندر السكري. أما المعنى الكيميائي، فهو إن السكر كناية عن مجموعة كربوهيدرات تتضمن أنواع عديدة مثل الغلوكوز والفركتوز والملتوز واللكتوز والسكروز والغلاكتوز. أما السكر المركب، فهو الموجود في الحبوب والخضار. السكر الأبيض المعروف هو السكروز. للحصول على القوة، يحتاج الجسم إلى السكر، ولكن بالمعنى الكيميائي، أي بشكل غلوكوز.

    أما السكروز أي السكر الأبيض، فهو تركيبة كيميائية من الغلوكوز والفركتوز، فإذا أكلنا مثلاً قطعة شمندر واحدة أو قطعة من قصب السكر، يهضمها الجسم ويحولها إلى غلوكوز وفركتوز ومواد أخرى بالإضافة إلى البروبتين، والفيتامينات والمواد المعدنية والألياف الموجودة في الشمندر أو في قصب السكر. أما السكر الأبيض، فهو يحتوي على السكروز وحده وهو مصنع بطريقة حيث أن 11 كغ من الشمندر السكري تعطي، 0.155 كغ من السكر أو أن 3 أقدام من قصب السكر تعطي ملعقة صغيرة من السكر. عندما نستهلك السكروز لوحده فإن الجسم يحتاج إلى البروتين والفيتامين والمعادن لتساعد على الهضم وهي موجودة ومخزونة في الجسم.

    في ما يتعلق بالسكر المكرر من الضروري أن نبحث في التأثيرات المختلفة التي تحدثها  في الجسم أشكال السكر الثلاثة الأساسية:

- السكر البسيط (Monosaccharide) وهو السكر الذي نجده في الفاكهة والعسل الطبيعي.

- السكر الثنائي (Disaccharide) مثاله سكر القصب والسكر والحليب.

- السكر العدادي أو المركب البوليسكريد (Polysaccharide) الذي نجده في الحبوب والقول والخضر.

 

    في عملية الهضم الطبيعية يتحلل السكر المكرر في الفم أولاً بواسطة اللعاب ثم بعد ذلك في المعدة ويهضم أخيراً في العفج والأمعاء. عندما يصل السكر إلى المعدة يحدث بما يعرف بتفاعل السكر حيث تتوقف وظيفة المعدة مؤقتاً ولا تتعدى كمية السكر اللازمة لإحداث هذا التفاعل ربع ملعقة صغيرة. وبما أن السكر المكرر هو فِلواني قوي فإنه يجبر المعدة على إفراز كميات استثنائية من الحمض لإحلال التوازن ما يؤدي في حال تكراره إلى احتمال إصابة المعدة بالتقرّح.

    ويحافظ الدم في جسمنا عادةً على حالة قلوية ضعيفة وعند دخول السكر المكرر القلوي يحدث ما يعرف بالتفاعل الحمضي ما يسبب فائضاً في الحموضة في مجرى الدم. وللتعويض عن ذلك تتفاعل كمية المعادن المخزنة داخلياً لإحلال توازن طبيعي. وتكفي هذه المعادن التي نستمدها من طعامنا اليومي والمخزنة طبيعياً في جسمنا للقيام بذلك بين الحين والآخر. ولكن إذا تناولنا السكر المكرر يومياً لا تكفي هذه الكمية فنضطر إلى استعمال المعادن المخزنة بعمق في داخل الجسم لاسيما الكلسيوم الموجود في عظامنا وأسنانا وإذا استمر ذلك لوقت طويل فسينتج من استنزاف الكلسيوم من العظام والأسنان.

    يخزن جسمنا الكميات الزائدة من السكر في أماكن مختلفة. الكبد هو العضو الأساسي لخزن الغلوكوز بشكل غليكوجين وعندما تتخطى كمية الغليكوجين قدرة الكبد على التخزين بخمسين غراماً، تسير في مجرى الدم بشكل حمض دهني يخزّن في مناطق الجسم الأقل حركة كالردفين والفخذين والجزء الأوسط.

    وإذا استمر استهلاك السكر المكرر ينتقل الحمض الدهني إلى الأعضاء الأكثر نشاطاً كالقلب والكليتين فتغطى هذه الأعضاء تدريجياً بطبقة من الدهون والمخاط قد تدخل إلى النسيج الداخلي فيها مما يضعف أداءها والفائض فيها قد يسبب تعطلها.

    إن استهلاك السكر المكرر بازدياد في البلدان العصرية ينعكس في ازدياد الأمراض الانحلالية كأمراض القلب. ويؤثر السكر المكرر على قدرتنا على التفكير من خلال قتل بكتريا المعدة التي تكوّن الفيتامين (ب) اللازم لتركيب حمض الغلوتامين الذي يدخل في النشاطات العقلية في الدماغ. وقد يؤدي النقص في هذا العنصر إلى فقدان الذاكرة والقدرة على التفكير بوضوح.

    وبشكل عام ينتج من استهلاك السكر المكرر حالة ين في الجسم والعقل مما يؤثر على الجهاز العصبي نظير الودي Parasympathetic nervous System بشكل خاص والأعضاء التي يتحكم فيها. وهذا ما يُحدث تفاعل السكر في المعدة. وللمحليات كالعسل وشراب القيقب الأثر نفسه كالسكر المكرر ولكن بدرجة أقل، ويجدر بنا تفادي استهلاكه في غذائنا اليومي.

المقال السابق المقال التالي