الخلف

ولكل امرئ ما نوى


إن الله تعالى خلق الحجر والشجر والبشر... والأنهار والبحار والمحيطات... والسماوات والأرض... بما فيها من عوالم وغيبيات...ثم سكن في قلب عبده المؤمن !!!يقول الله في الحديث القدسي:
(( ما وسعني سماواتي ولا أرضي و وسعني قلب عبدي المؤمن ))
يا ترى ما الذي ميّز قلب العبد المؤمن عن غيره من المخلوقات حتى يسع الله سبحانه؟؟
الإنسان يا إخوتي دوناً عن باقي المخلوقات ميّزه الله بمنحة عظيمة منّ الله بها عليه ألا وهي نعمة الحرية... حريّة الفكر والاعتقاد وحرية الاختيار والاختبار...
وإذا كان الإنسان حرّاً... فهذا يعني أنه مسؤول... فلا حريّة بدون مسؤوليّة... فهو مسؤول عن اختياراته وقراراته وأعماله وأفعاله...
والله لا يحاسب العبد على ما لم يكن للعبد حرية الاختيار فيها كشكله أو لونه أو عرقه... ولكن يحاسبه على ما تعمّد قلبه ونيته وعبّر بالأقوال والأفعال عن ذلك...
والحرية أيضا لها مساحاتها المختلفة عند البشر... فهناك قوى استكبار وهيمنة على مر التاريخ تحاول السيطرة والتحكم في بعض الشعوب الضعيفة واستعبادها... فتقلّ وتتقلص مساحة حرية تلك الشعوب... لكن لا يستطيع أحد كائناً من كان أن يسلب منك بالقوة حرية قناعاتك واعتقاداتك ومشاعرك...
فمثلا يمكن للشخص أن يخطف رهينة ويأسرها عنده ويمنعها من الكلام والطعام والشراب والحركة... ويمكنه أن يأخذ منها ما يشاء ليشبع نزواته بالقوة وتحت التهديد... لكن يستحيل على هذا الشخص أن يجعل هذه الرهينة تحبه من داخل قلبها... مهما حاول وبشتى أنواع الترهيب والضغط والتضييق والسيطرة...

إذن فهناك دائماً مساحة للحريّة لأي إنسان ومهما كانت ظروفه... وإن كانت مساحتها ضيقة وصغيرة... ولن يحاسب الله العبد أبداً إلا في حدود هذه المساحة... التي تمثل وجدانه وذاته وكيانه...
وكمثال فالله تعالى يقول: (( إلاّ من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ))
أي يمكن للإنسان أن يقول ويتلفظ بالكفر بالله صراحة... لو كان تحت تهديد السلاح مثلاً... فلا بأس بذلك دام قلبه لم يتأثر وظل مطمئن بالإيمان بالله...

إذن فالقلب هو رحم ومحراب هذه الحرية... وكل ما في جوف هذا القلب صراحة وبكل وضوح ودون شوائب عالقة يعبّر عن صاحب هذا القلب...
فكان مكان الله في قلب العبد المؤمن دون السماوات والأرض... لأن المؤمن رضي بالله معشوقاً وساكناً في قلبه... بكل إرادته ومحبته وشوقه...
كما يقول الإمام الصادق عليه السلام: (وهل الدين إلا الحب!)
والعبوديّة لله لا تعني أن نعبده كرهاً أو غصباً أو بدون كامل حريّة اختيارنا كما يفهم بعض الناس... فكما سبق وذكرنا... فالله قد أعطى الإنسان الحريّة المطلقة في مساحة واسعة جداً لدرجة أنه أعطى الحريّة للعبد بإنكار وجود ربه والكفر به وجحد نعمه... وفي هذه الحالة يكون أيضاً مسؤولاً عن اختياره بكامل حريته... فكما قلنا لا حرية بدون مسؤوليّة...
فلو نظرنا إلى حال الرّجل العاشق الولهان المتيّم في محبوبته وعشيقته... لرأيته يذكرها بقلبه ولسانه وكل جوارحه... وتراه في جميع حركاته وسكناته يذكرها ويفكر فيها دون سواها في هذا العالم... فهذا نوع من أنواع العبادة... فبهذا الحب عبد الرجل محبوبته دون إكراه أو غصب أو حتى طلب منها أو من غيرها... وإنما هو القلب الذي تذوّق حلاوتها وجمالها وبراءتها فاشتعلت نار الاشتياق ولهيب الحب في كيان الحبيب...

وفي الحقيقة يا إخوتي جمال العشيقة وحسنها الذي تعلق قلب حبيبها بها... ما هو إلا منّة وفضل وعطاء من صاحب الجمال المطلق والأوحد... وكل جمال نحس به أو نراه هو انعكاس لتجلي جمال الله في خلقه... فهو صاحب الجمال الدائم... الذي لم يُعرف الجمال والحُسن إلاّ به... فكان مستحقا بحق لفرط اشتياق المحبين ولعبادة العابدين والسالكين إليه حتى الفناء... طوعاً من عند أنفسهم... فاللهم أخرج الدنيا من قلوبنا واجعل فيها حبك.... وآنسنا بقربك... يا معشوق الهائميين...


وهذه من أعلى مراتب العبودية لله... فكلنا يعلم أن الإيمان درجات والناس في إيمانهم درجات أيضاً... فمنهم من يعبد الله خوفا من ناره... ومنهم من يعبده طمعا في جنته... ولكل أجره في ما سعى وعمل... فنجد معظم آيات التخويف من نار جهنم تكون للناس أصحاب الاهتمامات المادية الحسية... كبني إسرائيل... ويمكنكم أن تقرؤوا القرآن وتتأملوا آياته...
أما أهل الإحسان والحب عبدوا الله لنار الشوق المتأججة في قلوبهم وكيانهم والتي لا تهدأ ولا تركن حتى تلقى الحبيب والمعشوق...
كما وصفهم الإمام علي ابن أبي طالب حين قال: 
(لولا الأجل الذي كتب الله لهم لم تستقر أرواحهم في أجسادهم طرفة عين شوقا إلى ربهم... عظم الخالق في أنفسهم فصغر ما دونه في أعينهم)...

فهم يعشقون الله لذات الله دون طمع في جنة أو خوف من نار...
وكلنا يعرف مقولة رابعة العدوية حين قالت: 
(اللهم إن كنت عبدتك خوفا من نارك فاحرقني بها... وإن كنت عبدتك طمعا في جنتك فاصرفني منها... وأما إذا كنت أعبدك من أجل محبتك فلا تحرمني من رؤية وجهك الكريم)
وهي القائلة أيضاً: 
(اللهم اجعل الجنة لأحبائك... والنار لأعدائك... أما أنا فحسبي أنت)

لكن في أيامنا هذه... عمد بعض مشايخ ورجال دين المؤسسات الدينية من مختلف الطوائف والمذاهب والأديان... إلى توظيف الدين لمصالحهم الشخصية التي تتماشى مع المؤامرة العالمية على الحق والوعي الإنسانية... فنجد كل فرقة ومذهب يرفعون شعار الطريق إلى الله وإلى الجنة... ويطلبون من أتباعهم أن يسمعوا فقط لآرائهم وفتاواهم وتعاليمهم وتلقينهم... وربما يُنكرون على أتباعهم مجرد سماع الرأي الآخر من الفرق و المذاهب الأخرى... بحجّة الخوف على أصل الدين والعقيدة والشريعة... وخوفاً من أن يلوث المُستمع فكره بأفكار هدّامة من وجهة نظرهم... فتخرج من تحت أيديهم أجيال ملقنة ومبرمجة فكرياً دون محاولة للتفكر أو التأمل و يملؤها الحقد والغل والعصبية على أتباع الديانات والمذاهب الأخرى دون محاولة لابتكار طرق للعيش المشترك وتقبل الآخر بصدر رحب... لأنهم طبعا مشركين وكافرين ومبتدعين ومن أهل النار في نظرهم... فيقتصر الحب والعطاء والسماحة على أبناء المذهب الواحد فيما بينهم في مساحة ضيقة من هذا الكون الفسيح... هذا إن كان حباً وعطاءاً حقيقيين...
ألم يسمع هؤلاء قول الإمام علي عندما سأله بعض أتبعه عن الخوارج أهم مشركين أم منافقين... فقال:
(والله إنهم من الشرك فرّوا... والمنافقون لا يذكرون الله كثيرا... لكنهم إخواننا بغوا علينا)...
وألم يروا حبيبنا وقدوتنا رسول الله... كيف تعامل مع فُضالة الذي كان يطوف خلف رسول الله يوم فتح مكة وكان ينوي قتله... وكان بنيّته وبقتله لرسول الله سيغتال الرّحمة والنور للعالمين فهل هناك أبشع من هذه الجريمة؟؟؟... لكن سلامة صدر رسول الله وسماحته احتوت واحتضنت فضالة بسواده ونواياه الشريرة... فقد كان رسول الله يطوف وفضالة من خلفه بنتظر الفرصة ليقتل رسول الله... ثم يلتفت إليه رسول الله بكامل جسده احتراماً لفضالة بعد أن أعلمه الله بنيته قتله... وقال له: ( ما بالك يا فضالة) فيقول أطوف وأسبح يا رسول الله... فتركه ومشى رسول الله ثم التفت إليه ثلاث مرات وفي كل مرة يقول له ما بالك يا فضالة... فيقول أطوف وأسبح الله يا رسول الله... وفي المرة الأخيرة التفت رسول الله إلى فضالة وقال له: ( ما بالك يا فضالة؟) يقول فضالة... هو ما أخبرك به ربك يا رسول الله... فابتسم له الحبيب ووضع يده على صدره ودعا له... يقول فضالة: والله كان رسول الله ابغض الناس إلى قلبي... ثم بعد أن وضع يده على صدري أصبح أحب الناس إلى قلبي...
فكم نحن اليوم بأمس الحاجة لتمسح تلك اليد على صدورنا فتنزع الغل والحقد من قلوبنا على بعضنا...

وينعكس الفكر الديني السائد في أيامنا هذه في ما نراه في أكثر خطب الجمعة من على المنابر في أغلب العالم الإسلامي... فبدل أن تكون خطبة الجمعة لحل المشاكل والنزاعات ووأد الفتن الطائفية والمذهبية... وتحفيز الوعي لدى أبناء الأمة بالتسامح والحب واحتواء الغير والتقرب إلى الله...

أصبح خطيب الجمعة اليوم يخطب إما لأن يُشعل لهيب الفتنة الطائفية المذهبية بين الناس في الأقطار الإسلامية... أو ليحلل ويحرم على هوى الوضع السياسي والسياسيين وأصحاب السلطة والنفوذ... أو يخطب ليتكلم عن أمور وقضايا كانت تشغل الناس في القرون السابقة أو ربما تشغلهم في أيامهم المعاصرة ولكنه ترك الأولى والأهم دون ذكره... أو يخطب ليذكّر الناس ببعض الآيات والأحاديث والأذكار التي والله لم تتعدى إلاّ لسان الخطيب... ولم تصل إلاّ إلى آذان المستمع... دون أن تلمس أو تدخل على قلب أحد منهم...
يقول الإمام علي أبن أبي طالب عليه السلام:
(يأتي على الناس زمان لا يبقى من الإسلام إلا اسمه ولا من القرآن إلا رسمه يعمرون مساجدهم وهي خراب من ذكر الله تعالى... شر أهل ذلك الزمان علماؤهم منهم تخرج الفتنة وإليهم تعود)
فأي إسلام فينا اليوم وقد أصبحنا في حضيض الأمم من حولنا وفي مؤخرتها فكرياً واجتماعياً وإنسانياً وعلمياً وأخلاقياً... فأين الإسلام إذن...
ولربما وجدنا أخلاق الإسلام بحق في هذه الأيام في شعب اليابان الغير مسلم!!... فبعد الكارثة المفجعة التي حلت به إلاّ أنك ترى جمال الرحمة والإنسانية فيما بينهم... فالكل يعمل للكل... والكل يعرف ماذا يعمل في هدوء وسكينة... فالسلع خفّضت أسعارها والناس اشترت من المتاجر فقط ما تحتاج إليه دون زيادة... رحمة بغيرها ليجد ما يسد حاجته... والشعب الياباني معروف بتقديره العالي جدا للإنسان ولكل كائن حي فكل كائن حي عندهم يُعتبر مقدسا... وصدق من قال رأيت إسلاما بلا مسلمين.. ومسلمين بلا إسلام...

إذن يا إخوتي فقد أصبحنا في أسفل سافلين بين أمم العالم... وأصبح عالمنا العربي والإسلامي مكبا لنفايات الغرب والشرق... واعتقدنا أننا بعيشتنا المرفّهة أننا في رقي وحضارة... و والله ما هي إلا الحقارة... أي حضارة وقد استعمل الغرب نفطنا وثرواتنا ليتقدم في شتى العلوم والمجالات... وتركنا فرحين بحفنة من الأموال لنشتري بها كل ما تشتهي أنفسنا من متع الحياة في سبيل شهوتنا وجشعنا وعلى حساب إنسانيتنا وآدميتنا ونور الله الذي فينا... فلا مراكز للعلم ولا للبحث ولا للصناعة ولا للرقي الفكري والإنساني والأخلاقي...

حتى أصبح عالمنا العربي بالخصوص مركزا لبث الطاقة السلبية حول العالم...
فلكل شيء طاقته في هذا الكون يا إخوتي... الأحياء والأموات... والحجر والنبات... والبحار والجمادات...
أو لم يقل رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم عن جبل أحد ( جبل يحبنا ونحبه ) والحب طاقة إيجابية تصدر من ذاك الجبل المحب المحبوب...
وعندما بكى ذلك الجذع الذي كان رسول الله يتخذه منبرا في المسجد حين يصعد عليه ويخطب من فوقه... جذع النخلة ذلك ضج بالبكاء حتى سمع صوته كل من في المسجد من المسلمين حين أراد رسول الله أن ينتقل إلى منبر أحدث منه... فنزل نبي الرحمة وربت بيده على الجذع وقال ألا ترضى أن تكون معي في الجنة... فقبل الجذع وهدأ...
فالجمادات من حولنا لها طاقة ايجابية... وكل الكائنات الحية ومن بينها الإنسان لديه طاقة... وتكون إما إيجابية أو سلبية على حسب نيته ونواياه... فلا يتحدد خير العمل من شره إلا بنية صاحبه
( إنما الأعمال بالنيات... وإنما لكل امرئ ما نوى )

وهذه الطاقة يا إخوتي تكون على شكل هالة ذات ألوان تحيط بالإنسان... ويكون شكلها على حسب خيره وشره أيضا فالإنسان الروحاني تكون طاقته زاهية بهية منتظمة في شكلها... والإنسان المادي الذي لم يقتصر اهتمامه إلا على متطلبات جسده المادي كالطعام والشراب والجنس والنوم... تكون طاقته مشوهة ومظلمة... وهناك حاليا أجهزة متطورة تكشف لنا هذا السر الذي تكلم عنه وأشار إليه الأنبياء والأولياء والمستنيرين عبر التاريخ...
وأيضا يا إخوتي كل ما يصنعه الإنسان بيده يأخذ من طاقته وأفكاره... فمثلاً لا يُنصح بأن تطبخ الأم لأسرتها إذا كانت نفسيتها في حالة توتر أو غضب أو حقد... لأن كل هذا سوف يؤثر في الطعام ومن ثم يأكله أفراد الأسرة وتنتقل إليهم هذه الطاقة...
وأهل الله وخاصته من العارفين يملكون حسا شفافا عاليا بكشف طاقات ما حولهم... فيعرفون ما في نفوس الناس من خير وشر لأن كل ما يكتمه الناس ظاهر في هالاتهم وطاقتهم المحيطة بهم ولا يراها ويستشعرها إلا صاحب طاقة شفافة نقية غير ملوثة... والعارفين يستشعرون أيضا بطاقات الجمادات من حولهم... كما عرف الإمام علي أن الطعام مسروق وطاقته سلبية حينما قدمته له الجارية فلم يأكل منه... وكما عرف حبيبنا رسول الله بأمر الشاة المسمومة التي قُدمت له فعلم أنها مسمومة وأكل منها... لأنه مطمئن ومسلم أمره لله... فكان ينتظر الأمر الإلهي والوحي لينهاه عن أكل الشاة... فكان معتمدا ومسلما لأمر الله وليس لحدسه وفطرته السليمة التي نهته في بداية الأمر عن أكل الشاة... فلما أكل منها واستقر بعض منها في معدته الشريفة... نزل الوحي مطابقا لما كان في نفس رسول الله فانتهى منها وتركها... لكن رسول الله بعلم النوايا يستطيع أن يحول السم إلى دسم عليه الصلاة والسلام...

سمعت شخصاً ذات يوم يقول أنا متبع مع عائلتي نظاما غذائيا صحيا ولكن ابني الصغير يحب أن يأكل الشكولاته... وطبعا كلنا يعلم تأثير السكر والحلويات الضار جدا بالجسد فيقول الرجل لا أحب أن امنع ابني منها بالقوة فيتولد عنده رغبة أكبر بها... ومعروف أن كل ممنوع مرغوب... يقول فعندما يحضرها أحاول أن أجعله يعطيني نصفها مثلا لنأكل سويا ليس لأنني أحب الشكولاته... ولكن لأبعد عن ابني أقصى حد من الضرر الذي ممكن أن يلحق به... وكأنه يفدي ابنه وصحته بنفسه... هذا هو علم النوايا... هذا الرجل لن يتضرر أبدا من السكر المضر الذي يأكله مع ابنه كل مرة بكل حب وعطاء واحتواء لصغيره...
إذن فكل ما يصنعه الإنسان يأخذ من طاقة نواياه خيرها وشرها... وهذا سبب من أسباب قول( بسم الله) على الطعام قبل أكله... وقول بسم الله على الماء... فالماء له جزيئات حساسة جدا تتأثر بأفكارنا ونوايانا... وقول رسول الله أن ماء زمزم لما شُرب له... دليل على أن مربط الفرس في الفكر والنوايا... فأنت تنوي الشفاء من مرض معين وتقرا على هذا الماء المقدس فتشفى بقوة إيمانك... وبإذن الشافي... إذن فالعلة في الفكر والنية وهي الأساس...
كما جاءت امرأة مريضة لمست السيد المسيح عليه السلام... وشعر بها من بين حشود الناس حوله وقال لها لما لمستني... قالت أطلب البركة والشفاء لمرضي... فقال عليه السلام لها إيمانك شفاكِ!!

ولنفس السبب أيضاً نفهم سر دعاء لبس الثوب في الإسلام الذي يقول (اللهم إني أسألك خير هذا الثوب وخير ما صُنع له وأعوذ بك من شره وشر ما صُنع له) وهنا إشارة إلى أن نية الصانع أنها تدخل في الصنعة نفسها...
كما أن بناء البنيان يأخذ أيضاً من طاقة من يبنيه وإذا كان بناؤه ليس لسبب إنساني فقط بسبب الشهرة وحب المظاهر واستكبار النفس كناطحات السحاب العملاقة التي لها دور كبير في... التي تبث طاقات سلبية واضحة يمكن أن تلمسها في تغيرات المناخ السيئة والمفاجئة أحيانا وتعمل على تحقيق مصالح المؤامرة العالمية على الحق والوعي الإنساني ويعم الجهل والغفلة... (حفاة عراة يتطاولون في البنيان)...
وكلنا يعرف المسجد الذي أمر رسول الله بهدمه... لأنه أسس على النفاق والتفرقة بين المسلمين... لماذا هدمه ولم يغيره؟؟؟

وبل وبفعل المؤامرة العالمية على الحق والوعي الإنساني... يبث الغرب لنا أفكارهم عبر منتجاتهم من مأكولات ومشروبات... حتى يمكنهم تمرير الأفكار عن طريق الماء الذي نشربه... فتدخل الطاقة أجسادنا وتأثر على أفكارنا وسلوكنا من حيث لا ندري...
كما يمكن لصورة تحمل طاقة وأفكار صاحبها و توضع على الإعلانات أو التلفاز أو على الفيس بوك مثلاً... أن تؤثر فينا أياما دون أن نشعر... لأن الطاقة السلبية التي تحملها من صاحبها قد انتقلت إلينا بمجرد النظر والتمعن فيها وتأثرنا بفكره... من حيث لا ندري... كما يمكن وضع طاقة إيجابية بصورة أو كلمة بنفس الطريقة وعبر نفس وسائل الإعلام والتعارف الاجتماعي ويكون لها تأثير إيجابي على الناس .


وهذه الطاقة التي يصدرها الإنسان من نواياه... يكون هو أول متأثر بها قبل غيره... فطاقة الشر من الغل والحسد والكره... تفتك في صاحبها أولا من حيث لا يدري... وكمثال على الطاقة السلبية القوية... طاقة الحسد التي لا يخفى على أحد منا مدى قوتها وتأثيرها من وعلى أصحاب النفوس الضعيفة...

وطاقة الخير أيضا تؤثر بصاحبها قبل غيره... فكل فعل ينتج عن كرم وأخلاق وحب للخير يصدر طاقة نورانية تحيط بصاحبها وتُشعره بالراحة والسعادة... لا بل تشفيه من أمراضه أيضاً... ولهذا قال الحبيب (داووا مرضاكم بالصدقات)
والحديث صريح جدا... فطاقة الصدقة من أقوى الطاقات التي تشفي البدن وتفتح المقامات...

وهذه الطاقات يا إخوتي بخيرها وشرها... لا تستقر في مكان معين بل تطوف وتطوف حول العالم... فطاقة الخير تطوف كما تطوف أيضا طاقة الشر... ولكل تأثيرها على الأجواء والطبيعة ومزاج الناس وسلوكياتهم وحياتهم...
وكما لكل شيء ميزانه في هذا العالم... فأمّنا الطبيعة لها ميزانها العادل الذي لا ترضى لأحد بأن يخل استقراره...
فكلنا يعرف أنه كلما زادت الطاقة السلبية في الجو عن حدها فإن ذلك يؤدي إلى اختلال التوازن في ميزان الطبيعة وسيأتي زمان لترد بقوة لتعدل الميزان من جديد...
فكل الأمم الغابرة التي بثت في الكون طاقات سلبية رهيبة... أُبيدت برد الطبيعة عليها... ويتحدث لنا القرآن الكريم عن هذه الأمم فتجد من أهلك بالريح أو الزلازل أو الخسف أو الطوفان...
واليوم يا إخوتي للأسف الشديد هناك مؤشرات قوية على أن ميزان الطبيعة مختل منذ زمن طويل... وكلما تأخرت الطبيعة في عدلها للميزان كلما كان الرد أقوى وأعظم...
فلقد لوثنا أجسادنا بالسموم والمأكولات الميتة حتى أصبحنا عار على أنفسنا وعلى أمنا الأرض... ففي بعض الدول الغربية المهتمين بالبيئة.. يدفنون الأموات في توابيت حديدية مغلقة... لأن أجسادهم مليئة بالسموم التي تفسد التربة والأرض لو دُفن الميت فيها...
لوثنا أنفسنا وأرضنا بالكيماويات والمبيدات الحشرية السامة حتى أصبح مجموع المحصول الزراعي لكل الأرض في تناقص... وفي الأيام القادمة لن تجد الأجيال من بعدنا ماء نظيفا ليشربوه ولا محصولا زراعيا يوفر احتياجاتهم... فكم أنت ظلوم جهول أيها الإنسان... يا من أعمى عيونه استكباره وجشعه وأنانيته فأصبح مجرما بحق نفسه وبحق الأرض والكون والطبيعة والأجيال من بعده... فاللهم أعنا يوم الحساب..
وظهرت بعض بوادر رد الطبيعة العظيم الذي سيعيدنا إلى الحياة البدائية كما أخبرنا رسول الله عن آخر الزمان... بوادر كالزلازل العنيفة القادمة كما تقول التقارير لعلماء البيئة والزلازل وعلماء الطاقة من قبل....

ولا حل يا أخوتي أبدا في ردع هذا الدمار القادم ... إلا بتلطيف الأجواء بنثر الطاقات الإيجابية التي ستلطف الأجواء إلى فترة قصيرة ربما... وهذا التلطيف يكون بتنظيف الأجواء قدر الإمكان بالاستغفار... فالاستغفار هو طاقة إيجابية عظيمة لو كان من القلب فعلا وليس مجرد تمتمة بالشفاه...
يقول تعالى: 
(( قلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا..يرسل السماء عليكم مدرارا ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا ))
وهنا إشارة واضحة إلى علاقة الاستغفار وبأجواء السماء والخير المنعكس على أهل البلد نفسه...
ونجد في آية أخرى أيضا : 
((والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا)) 
هنا أيضا إشارة واضحة إلى علاقة طاقات أهل البلد السلبية والإيجابية على أحوالهم المعيشية كوفرة المحاصيل الزراعية...

كل ما حصل وسيحصل بسبب انتشار الظلم على كل الوجوه وانعدام الحب والرحمة...
وبإذن الله الخاتمة ستكون لعباد الله الصالحين الذين سيُعيدون العدل والرحمة... بإمام العدل الإمام المهدي عليه السلام... ونبي الحب والرحمة المسيح عيسى عليه السلام... وهما رمز العدل والحب... والعدل والحب كل ما نفتقده ونحتاجه... في زماننا

(( ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون ))

المقال السابق المقال التالي